الشيخ محمد الصادقي الطهراني
39
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
وأنت لا تحبه ليس من أفضله ولا فضيلة ، اللّهم إلّا أن يحبه المنفَق عليه ولذلك ينفقه عليه المنفق . فالانفاق الصالح يرتكن اولًا على الحب الأفضل ، ثم الإنفاق من الأفضل أو الفضيل دون الرذيل . ذلك ، « وما تنفقوا من شيءٍ » في حبه وكيفه وكمه ومورده « فان اللَّه به عليم » لا علكيم أن تبدوه إلا إذا لزم الأمر بعيداً عن الرئاء والسمعة . ذلك ، فهل ترى الذي ينفق مما لا يحبه ولا يبغضه لا ينال خيراً وقد انفق ؟ إنه ينال خيراً إذا تمت أركان السماحة والرجاحة في الإنفاق ، ولكنه لن ينال البر ككل حتى ينفق مما يحب ، والبر هو واسع الخير من البَرّ لا أصل الخير ، وهنا بر بديل بر ، حيث الإنفاق مما تحب بر تنال به البر « وان ليس للانسان الا ما سعى » . فالمنفق في سبيل اللَّه إذا لم يأت بمحظور في انفاقه مأجورٌ قدر إنفاقه ، ولكنه لن ينال البر حتى ينفق مما يحب . وفي الإنفاق في سبيل اللَّه مما تحبون تحرُّر من شح النفس على النفس والنفيس ، فالمنفقون مما يحبون يصعدون في ذلك المرتقى الراقي السامق الوضيء أحراراً خفافاً طلقاء ، لا يرتبطون بشيءٍ إلّا اللَّه والحب في سبيل اللَّه ، وهم ينالون البر والخير الواسع حسب السعة في انفاقهم مما يحبون فطوبى لهم وحسن مآب . وترى حين تحب شيئاً يكرهه اللَّه ، أو تكره شيئاً يحبه اللَّه ، فهل تنال البر في انفاق ما تكرهه في حب اللَّه وما تحبه في كره اللَّه ؟ . للمحبوب هنا بعدان اثنان « لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون » ويحبه اللَّه ، وكون الانفاق في سبيل اللَّه هو قضيةُ الإيمان باللَّه يجعل محبوب اللَّه محبوباً لنفسه ، ومحبوبه ليس إلّا محبوباً للَّه ، وهنا زاوية ثالثة للمحبوب ان يحبه المنفَق عليه حتى يتم مثلث الحب فيتم نيل البر من اللَّه . فمن ينفق في اللَّه ما يكرهه ويكرهه اللَّه يكرهه اللَّه : « ويجعلون للَّهما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب ان لهم الحسنى لا جرم ان لهم النار وانهم مفرطون » . « 1 » فالمحور الأصيل في نيل البر « ما تحبون » كمؤمنين ، وقد تشمل الزاوية الثالثة للمنفق عليه
--> ( 1 ) . 16 : 62